الشيخ محمد الصادقي الطهراني

474

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عرفيا ، وإنما هي شهادة بمشهود حاضر غاب عن الناظر قضية الموقف الخطير الرهيب ، الذاهب بلب العزيز وبصيرته فضلا عن بصره ورؤيته ، فهي شهادة مصحوبة بواقع المشهود وبسند الشهادة ، والشاهد طفل ليس ليتكلم كلام الطفولة وهو يشهد شهادة الرجولة البالغة ، ثم هو من أهلها ، مقدما لها ما يحتمل به نجاحها ، فلم يكن بد للعزيز إلّا حكمه القاطع في عزيزته : « إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ » إدخالا لها في جمعهن تخفيفا عنها أنها ليست بدعا في مكرها « إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ » ! فأخيرا تبين في مشهد العزيز والعزيزة بشاهد من أهلها أنها هي الخائنة ، وهنا تبدو صورة من الطبقة الراقية المترفة في الجاهلية قبل آلاف من السنين - / كما هي اليوم أرقى - / تبدو رخاوة في مواجهة الفضائح الجنسية مع تميّل إلى كتمان التميّع عن المجتمع ، وأنّى منها الكتمان وقد تسرب الخبر وشارع في سراع إلى نساء في المدينة ! . وترى كيف « إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ » ومع « إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » ( 4 : 76 ) ؟ إنه عظيم وجاه كيد الرجال ، ولكنهما معا ضعيفان بجانب كيد الشيطان ، ثم العظيم عند الناس أضعف من الضعيف عند اللّه ، ثم وعظم الكيد منهن من قالة العزيز ، ولا يرد عليه القرآن لعظمه نسبة إلى الرجال ، لا على أية حال ! يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) . هل الحاكم هنا بعد الشهادة هو الشاهد ؟ « وَشَهِدَ شاهِدٌ » دون حاكم لا يناسبه ، ثم الحكم في مثل هذا الموقف ليس إلّا عزيزه الكبير ، النافذ قوله في فتاه والعزيزة ! فهو إذا ليس إلّا العزيز . يبدأ بيوسف المنتصر المحكوم له في المشهد كملتمس منه ، ألّا يذيع ويشيع الكارثة :